قراءة في الأبعاد النفسية وتأثيرات الانهيار على الشباب ودفعهم إلى “الانتحار الجماعي”
خاص البديل
أثار عنوان الندوة التي نظمتها جمعية “أقوى” في طرابلس الكثير من النقاشات حول أسباب الهجرة غير الشرعية وأبعادها الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية وحتى السياسية. لكنّ البُعد النفسي لهذه الظاهرة له أهميّة خاصة في تفكيكها وفهم مساراتها وتحديد كيفية التعامل معها، وهذا ما قدّمته بالفعل السيدة مها أتاسي الجسر في مداخلتها التي قدّمتها ضمن فعاليات الندوة.
السيدة مها حائزة على ليسانس علم النفس العيادي من الجامعة اللبنانية، وعلى ماجستير من جامعة بيروت العربية، وهي معالجة ومحلِّلة نفسيّة وأسرية، حائزة على دبلوم التنويم المغناطيسي ودبلوم بالبرمجة اللغوية العصبية ومدربة معتمدة بالبرمجة اللغوية العصبية، وهي رئيسة جمعية ورد للتنمية والتطوير.
التأثيرات السياسية والاقتصادية والأمنية على مسار الهجرة غير الشرعية

بدأت السيدة مها الأتاسي مداخلتها بمقاربة الواقع اللبناني بتطوراته السياسية والاقتصادية فقالت إنّ المواطنين خلال ثورة 17 تشرين 2019 حملوا آمالاً وطموحاتٍ كبيرة في إمكانية تغيير الطبقة السياسية وتحسين أحوالهم ورفع مستوى مشاركتهم في الحياة العامة ووصول الكفوئين منهم إلى المراكز التي يستحقونها.. بينما انتهت الأمور إلى تدهور اقتصادي غير مسبوق، ثم حَـلَّ وباء كورونا فجريمة تفجير مرفأ بيروت ليتشكّل مسارٌ متدحرِجٌ من التدهور رافقه عدم استقرار أمني على مستوى البلد، وفقدان عام لدى اللبنانيين للإحساس بالأمان، مؤكِّدة أنّ عدم الشعور بالأمان هو الدافع الأكبر للناس في أن تترك بلدانها قاصدة ما تعتقد أنّه ملجأ يستطيع الحفاظ على حياته فيه، وهذا ما حصل في لبنان.
وتمنّت السيدة الأتاسي لو أنّ وزير الداخلية بسام مولوي بقي “ليستمع إلى وجهة نظرنا في خطابه، لأنّه يؤدّي إلى ردّة فعل عكسية تؤدّي إلى دفع الناس إلى الهجرة غير الشرعية، مؤكِّدة أنّ طرابلس ليست المدينة الأفقر على ساحل البحر المتوسط بل إنّها الأغنى بأهلها وبكفاءاتها وأخلاقها، لكنّها مسلوبة من السلطة السياسية التي أفقرتها وضربت مواردها الاقتصادية هي التي أوصلتنا إلى هذا الواقع المزري”.
وأكّدت الأتاسي أنّ طرابلس لم تكن في يوم من الأيام إرهابية، فهي كانت أيقونة الثورة وأعطت مثالاً ليس للبنان فقط بل للوطن العربي كلّه في الأداء الوطني والتنظيمي، وكان أهل طرابلس ولا يزالون العمود الفقري للأمن قبل القوى الأمنية لأنّهم شعب منضبط بإراتهم وبأخلاقهم وسلوكياتهم الحضارية، مذكِّرة أنّه عندما كانت الأطراف السياسية وبعض الأجهزة الأمنية تريد تبادل الرسائل كانت تستعمل طرابلس صندوق بريد.
الأبعاد النفسية الدافعة إلى الانتحار الجماعي

رأت السيدة الأتاسي أنّ التصوّر السيكولوجي يعتمد في تفسيره لظاهرة الهجرة غير الشرعية على وجهة نظر بعض علماء النفس الذين يفسرونها بأنها راجعة لدوافع نفسية تكون وليدة البطالة والفراغ الذي يعاني منه الشباب، مما يسبِّب لهم حالةً من الضّيق والاكتئاب النفسي، وهو ما يدفعهم للهجرة بحثا عن حياة أفضل.
وتضيف أنّ هذه الظاهرة ما هي إلا تجلّيات الميكانيزمات النفسية كالحيل الدفاعية التي يستخدمها الفرد للهروب من مشكلة ما ومن هذه الحيل الإزاحة وهي دفع النموذج السيئ.. وفي هذه الحالة التخلص من البطالة أو الصورة السيئة التي كوّنها الإنسان إزاء نفسه، ومن أجل تبرير تصرفاته يلجأ إلى ميكانيزم آخر يعتمد على التبرير، أي أنّ الشباب عندما يسعى للهجرة غير المشروعة ويُلقي بنفسه إلى التهلكة أو يقع في دائرة المحظور القانوني، يستعمل مبرِّراتٍ متعددة هروباً من المشكلة، فيأخذ التبرير شكل الحاجة الماسة إلى المال وأنّه مسافر بحثاً عن الرزق وأنّه لديه طموح ويريد أن يكون مثل زملائه في المستوى المادّي والاجتماعي، وهذه “الحيل الدفاعية” تـُستخدم من أجل التغلب على الصراع النفسي والخروج من دائرة الإحباط الذي يعيشه هؤلاء الأشخاص، ولو كان ذلك بمخالفة القوانين المتعلِّقة بتنظيم الهجرة، فيتخذون القرار بالتسلّل إلى دول أوروبا بدون تأشيرة، وهي خطوة تعني الانتحار الجماعي بقوارب الموت.
توضح السيدة مها أتاسي أنّ أنصار هذا التصور يستندون إلى وجهة نظرية ماسلو (Abraham Harold Maslow) هي نظرية النظام الهرمي للحاجات 1943، ولقد درسَت المهاجر من زاوية حاجاته البيولوجية، الاجتماعية والنفسية، واعتبرت أنّ رغبات المُهاجِر تنمو تتابعياً هرمياً من الأدنى إلى الأعلى، منطلِقةً من أنّ عدم إشباع إحدى هذه الحاجات الإنسانية يخلق توتراً عند الأفراد يرغمهم على توجيه سلوكياتهم نحو العمل لتحقيق الأهداف الشخصية التي تبدو أكثر فائدة لهم، ونظّم ماسلو هذه الحاجيات كما يلي:
ــ أولاً: الحاجات الفيزيولوجية: الحاجة للطعام والشراب والسكن والزواج ، وهي حاجات ضرورية لاستمرار بقاء الإنسان على قيد الحياة.
ــ ثانياً: حاجات الأمن: في النفس والمسكن والوظيفة. إنّ تهديد الإنسان في معاشه هو تهديد لحاجة أساسية في حياته وكلّما ضَمِنَ الإنسان، من خلال اللوائح والقوانين، حقـَّه في توفير حاجاته الضرورية ازداد شعوره بالارتياح النفسي.
ــ ثالثاً: حاجة التقدير: من كلمات الثناء وألقاب التكريم والتشريف، هذه الحاجة يجب أن يجري إشباعها في محيط العائلة والمدرسة والمؤسسات التي يتعامل معها الفرد، وهي تؤثـِّر كحافزٍ قويّ في النفس .
ــ رابعاً: حاجات تحقيق الذات: الرضا عن النفس والشعور بقدر كبير من السعادة الذاتية بعد تحقيق الأهداف .
تختم مها الأتاسي مداخلتها بالقول: ..وعليه يُسقِطُ ماسلو هذه الحاجات على سلوك المهاجِر حيث يؤكِّد أنّه كلّما حقـّق حاجاته الأولية فإنه يتطلع لإشباع حاجاتٍ أعلى، فينتقل من مرحلة إلى أخرى على التـوالي ضمن هذا الهرم، ولكن إذا لم يستطع تحقيق هذه الحاجات فإن هذا سيدفعه إلى التمرّد علـى معايير المجتمع وعلى القوانين الدولية في بلده ممّا يدفعُه للتفكير في الهجرة بأية وسيلة بُغية تحقيق احتياجاته.. لهذا نرى أنّ عدم إشباع إحدى الحاجات يؤدي للتوتـّر فما بالكم اذا كانت كلها غير مشبعة كما هو الحال في لبنان؟
نحو استكمال المبادرة

كانت ندوة منظمة “أقوى” محطة هامة لطرح ملف الهجرة غير الشرعية ومخاطرها وأبعادها النفسية والاجتماعية والتنموية والقانونية، وهي مبادرة تحتاج إلى استكمال واستجماع لتطبيق توصياتها في مجالات التوعية والتشريع والتنمية، وكان للجانب النفسي بُعداً هاماً ينبغي تعزيزه في إطار استكمال الخطوات المطلوبة للحدّ من هذه الظاهرة التي توازي فعلاً الانتحار الجَماعي.
