شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

طارق ابو زينب – جسور

لا يختلف اثنان على رئيس وزراء لبنان الأسبق الشهيد رفيق الحريري الذي شكّل ظاهرة استثنائية في تاريخ لبنان والعالم، أنهى الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1989 بدعم المملكة العربية السعودية ورعايتها إقرار اتفاق الطائف، فنجح الرئيس رفيق الحريري في استثمار علاقاته العربية والدولية بشكل جيّد، وانشغل ببناء مفهوم الحداثة سياسياً واجتماعياً وثقافياً وفنياً، واستضاف فكر الآخر ونجح بمحاورته، ونقل الفلسفة الغربية وجعل المفاهيم الفلسفية الغربية مُستساغة ومألوفة داخل الفكر اللبناني، وقاد بنجاح مرحلة إعمار ما دمرته الحرب الاهلية اللبنانية على مدى 15 عاماً.

الرئيس الشهيد رفيق الحريري شكّل مدرسة تنويرية قائمة بذاتها بسبب القفزة النوعية التي حققها بمفهوم الحداثة فكرياً بخلق مشروع فلسفي لبناني يحتكم في أصوله ومنطلقاته إلى التراث العربي والتأثّر بالفلسفة الوسيطية، واولوية رفيق الحريري الحداثة والتحديث عبر الإبتعاث الخارجي لاكثر من 39 الف شاب وشابة من كل الطوائف اللبنانية للدراسة وكسب المهارات وتنمية القدرات والتعرف على ثقافات وعلوم دول العالم، مما جعل لبنان في نظام حياة في قلب التقنية وتحوّلاتها والحداثة الفكرية.

18 عاما على اغتيال رفيق الحريري

لكن مع اغتياله في 14 فبراير / شباط 2005، لا يخفى على أحد أن غياب الرئيس الشهيد رفيق الحريري عن المشهد، أدى إلى حدوث تطورات دراماتيكية أخذت لبنان بالتراجع السريع، إلى أن غرق في السنوات الأخيرة بالأزمات إلى الإنهيار الشامل، وما يحصل في لبنان منذ إغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عمل ممنهج مدروس بدقة فائقة واستبدلت الوصاية السورية وحلت الهمينة الإيرانية والتسلط على البحر المتوسط وعاد الخلل والتهميش والفوضى إلى كل المؤسسات الدستوريّة، وتعطيل دورها في المعادلة الوطنيّة وهذا غيض من فيض في تحطيم مؤسسات الدولة اللبنانية بواسطة ذراع إيران وحلفائها في لبنان.

لم يكن اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري حدثا عاديا، الآتي من عالم الأعمال الذي أثبت حضوره المميز في السياسة، وتجيير علاقاته لصالح لبنان والقضايا العربية المحقة، غير أن تغييبه من المعادلة اللبنانية والعربية والدولية السياسية ” بالاغتيال “، احدث زلزالا في الشرق الأدنى وقلب الأمور رأساً على عقب ، في لبنان وسوريا والعراق واليمن وجميعهم دفعوا ثمنا كبيرا .

المحكمة الدولية الخاصة بلبنان

تجدر الإشارة بعد 18 عاما على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري و22 شخصاً آخرين الذين لقوا مصرعهم في جريمة 14 شباط/فبراير2005 ،أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بالبنان ، حكمها في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ، الذي رحل معه رفاقه في تفجير هز العاصمة بيروت. وقد أنشئت المحكمة الدولية التي يوجد مقرها قرب لاهاي في هولندا، بناء على طلب قدمته الحكومة اللبنانية إلى الأمم المتحدة. ودخل اتفاق إنشائها حيز التنفيذ بموجب القرار 1757 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عام 2009 .

وفي 1 تموز/يوليو 2022، دخلت المحكمة مرحلة تصريف الأعمال المتبقية للحفاظ على سجلاتها ومحفوظاتها، والوفاء بالالتزامات المتبقية تجاه المتضررين والشهود، والاستجابة لطلبات الحصول على المعلومات الواردة من السلطات اللبنانية .

و ما إن صدر القرار عن المحكمة الدولية الخاصة باستشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والذي قضى بالحكم على اعضاء في حزب الله رفض الحزب قرار المحكمة ، ونفى الاتهامات ، الموجهة إليه ورفض تطبيق العدالة والقانون وتسليم المتهمين وتمكن هؤلاء من الإفلات من العقاب .

تمدد النفوذ الإيراني الى المتوسط

في هذا الصدد ، صرح مفوّض الحكومة اللبنانية لدى المحكمة العسكرية سابقاً القاضي بيتر جرمانوس” لـ جسور ” قائلا” : هناك اندفاعة إيرانية غير مسبوقة نحو بلدان الشرق الأدنى بظل غياب كامل لجمهورية مصر العربية وجزئي لتركيا . الذي يحصل على خط بغداد – دمشق- بيروت هو ظاهرة واحدة عنوانها تمدد النفوذ الايراني وصولا الى المتوسط.

المشروع الإيراني العدواني

واضاف القاضي بيتر جرمانوس” لـ جسور : الرئيس الراحل رفيق الحريري والرئيس الراحل صدام حسين، وأمثالهم كانوا يشكلون عقبة بوجه هكذا مشروع. هذا العدوان الإيراني دمر دول الشرق الأدنى ودفع تركيا لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الاولى للتدخل المباشر في العراق وسوريا.

ويمكن فهم هذه الاندفاعة الإيرانية ضمن مشروع اكثر شمولية وهو طريق الحرير الصيني الذي يمر من خلال باكستان، إيران وصولا للمتوسط . هذا المشروع يؤدي أيضا من خلال السيطرة على اليمن الى تطويق المملكة العربية السعودية، وبالتالي السيطرة على مصادر وطرق الطاقة .

سقوط لبنان بالكامل بيد محور الممانعة

وقال القاضي بيتر جرمانوس” لـ جسور : لبنان كان اصلا ساقطا بيد سوريا وقد اكتفت إيران بحصر الارث ، سقوط لبنان بالكامل بيد محور الممانعة أدى الى عزله عن محيطه العربي و الخليجي وعمقه الغربي والمشكلة هو عدم إتفاق السعودية و تركيا ومصر على كيفية مواجهة التمدد الايراني . بالتالي إغتيال الرئيس رفيق الحريري وقتل الرئيس صدام حسين والحرب السورية ، احداث لا يمكن فهمها الا من خلال التمدد الإيراني في الاقليم.

ضغوط على المحكمة الدولية

المشهد الأبرز ، في الحلقة الأخيرة من ثلاثية، مع “الذاكرة السياسية” التي عرضت على قناة “العربية”، تطرقت وزيرة الدفاع الفرنسية السابقة ميشال أليو ماري إلى “جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، حيث كشفت أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان مقتنعاً منذ البداية أن حزب الله ومن ورائه النظام السوري هما من نفذا الاغتيال “.

وأشارت أليو ماري إلى أن “المحكمة الدولية الخاصة بلبنان خضعت لضغوط كبيرة من طرف النظام السوري حتى لا تظهر أسماء مسؤولين سوريين في الحكم النهائي للمحكمة، وهو ما يُفسّر صدور تقريرين مختلفين عن المحكمة لجهة الأشخاص المشتبه بتورطهم بالجريمة .

العالم كله يدرك من قتل رفيق الحريري

في هذا الصدد يقول عن الزلزال الذي تعرضت له بيروت وإغتيال رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري لـ”جسور ، الاكاديمي والمحلل السياسي ، الأستاذ في جامعة الفيصل في المملكة العربية السعودية الدكتور خالد محمد باطرفي : ليس فقط الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك يعرف الحقيقة انما العالم كلة يدرك أن حزب الله والنظام السوري وراء إغتيال رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري ويدركون ذلك من خلال استخباراتهم ومن خلال أجهزتهم الأمنية ومن خلال ما توافر بعد التحقيقات الأولية ، لكن هناك حسابات دولية خاصة مع إيران ولا يخفى أن إيران هي الشرطي ، شرطي المنطقة المعنية من الغرب منذ قدوم الإمام الخميني بطائرة فرنسية من باريس على وعد و اتفاق تم مع الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وبريطانيا أن يوفر ويقوم بالدور المطلوب منه ، أن يكون فزاعه منطقة الخليج العربي فيرتمي الخليجيون في أحضان الغرب طلبا” للحماية وأن يكون المضاد أو القوة المضادة للعراق و الهدف تأمين إسرائيل لإضعاف العراق والدول العربية ولذلك لا نجد النظام الإيراني أطلق رصاصة واحدة بإتجاه إسرائيل ولا اغتال مسؤولا إسرائيليا واحدا ، ولكنه أطلق الرصاص اتجاه العرب في كل مكان وكان نصيب لبنان نصيبا وافرا الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبله وبعده وشهداء اخرين منهم صحافيون ومنهم رجال أمن ومنهم سياسيون أحرار ، كلهم من الذين رفضوا الإنصياع لوصاية إيران ووكلائها في المنطقة سوريا وحزب الله ، فتمت تصفيتهم .

وعن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أعتبر الدكتور خالد محمد باطرفي :” المحكمة الدولية ليست محكمة مستقلة ،وهي محكمة تخضع لولاة الأمر ، وولاة أمرها هي القوى العظمى وخاصة القوى الغربية ، فطالما أن هذة القوى الغربية تريد أن تماطل في قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأن تستخدمها ورقة في التفاوض مع إيران والتعامل مع سوريا ، فكان من الطبيعي أن تسلك هذة التحقيقات المسلك الذي سلكته وكل شيئ يتعلق وكل القضايا التي تتعلق بحزب الله نالت نفس النصيب واخرها تفجير مرفأ بيروت ، التحقيقات تتعرض لعقبات وتعقيدات والمجتمع الدولي يتفرج ، ربما يساهم في هذا التعقيد كما فعلت فرنسا في ملف تفجير المرفأ ” .وأضاف الدكتور خالد محمد باطرفي :” القضاة الدوليون في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الذين حكموا على شخصيات في حزب الله وعناصر تابعة له ، لم يتجرأوا أن يصل الحكم والإدانة للحزب نفسه الذي تنتمي إليه هذه العناصر . هذه المفارقة التي نراها في المجتمع الدولي وهذا هو النفاق الذي يتعاملون به في جميع القضايا ومنها قضايا حقوق الإنسان” .

حزب الله دولة داخل دولة

واعتبر الدكتور خالد محمد باطرفي ،” في لبنان القوي هو الذي يحكم . حزب الله يملك سلاحا وجيشا ومعدات تتقدم في قواتها حتى على الجيش اللبناني .كيف يمكن أن تكون هناك دولتان في دولة وجيشان في بلد واحد ! جيش ينتمي للدولة وجيش ينتمي الى دولة اخرى أجنبية . هذه المفارقة العجيبة في لبنان .سموه بالمقاومة “حسنا، المقاومة انتهت الان بتوقيع اتفاقية الحدود البحرية مع إسرائيل ، إذن ماذا تسمى المقاومة اليوم ؟ و لماذا يبقى حزب الله على السلاح ؟ لماذا يبقى على سلاحة وعتاده ودباباته؟

السعودية اوقفت تمويل صفقة السلاح الفرنسية

السعودية سحبت عرضها واتفاقها مع الحكومة اللبنانية بتزويد لبنان العتاد والسلاح الفرنسي وذلك لان حزب الله دولة فوق الدولة وليس مع الدولة اللبنانية و لان الحزب يتحكم بإنتخاب رئيس للجمهورية ورئيس الوزراء وهل يعقل ان تكون قيادة تدير البلد والإقتصاد وشؤون المواطنين كلها اصبحت بيد الحزب الذي لا يستطيع ان يدير ضاحية واحدة في بيروت كي يدير بلدا كاملا” .

رئاسة الجمهورية يتحكم فيها حزب الله وإيران

ميشال عون كان مرشح حزب الله وهو الذي أتى بشروطة وبتوافق معه وللمفارقة ايضا” ، هو الحديث عن حزب الله فيه كثير من المفارقات ،ان ميشال عون كان خصم النظام السوري ودخل معه في معارك وحروب وانتهت بهزيمته ولجوئه إلى السفارة الفرنسية وحصوله على اللجوء السياسي في فرنسا ، ثم عاد بتفاهم بين فرنسا وبين إيران والحزب ، نصب نفسه رئيسا” للبنان وقام بالدور المطلوب منه بشرعنة الحزب وشرعنة قرارات الحزب وخياراته في مجلس الوزراء وفي النظام الحكومي كاملا” ، هذا الامر الذي رفضه الشهيد رفيق الحريري ودفع حياته ثمنا” لذلك .

علاقة رفيق الحريري مع السعودية

العلاقة بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع المملكة العربية السعودية كانت علاقة وثيقة ، علاقة تقوم على الثقة وتقوم على العروبة وعلى الحرص على لبنان ليكون جزءا” من المنظومة العربية وأن يكون الأقرب إلى محيطة العربي وبعيدا” عن الهيمنة الأجنبية وخاصة الإيرانية ، ولكنة لم يكن اللاعب الوحيد على الساحة ، كانت هناك القوات السورية وكان هناك حزب الله ، وكانت هناك التدخلات الإيرانية والدولية ايضا” ، فقد كان لبنان الصغير بمساحته ، المتعدد بطوائفه ساحة لكل هؤلاء وكل يلعب على وتر ، من يلعب على وتر الطائفية والدين والعرق والمصالح والإنتماء العقائدي والسياسي ، وفي النهاية وصلنا إلى هذه المرحلة التي يقاتل اللبنانيون بعضهم بعضا ويتآمر بعضهم على البعض الاخر .

رفيق الحريري عابر للطوائف

لقد كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري فوق هذا كله أولا” بوطنيته وثانيا” بعروبته وثالثا” بإخلاصة للبلد، وكان فوق هذه الفرق والخلافات وعابرا للطوائف ، وكان محبوبا” من الشعب كله وقد انتخب من الجميع ، سنة و شيعة ودروز ومسيحيين كلهم كسب ثقتهم واعاد بناء البلاد ووضعها على طريق الرفاه والتنمية والإقتصاد القوي والسياحة المبهرة . كل هذا انتهى يوم اغتياله ، وكان سبب اغتياله هو هذا النجاح الذي حققه ،لأن هذا النجاح كان يعني إستقلالية ، وكان يعني قوة ، وكان يعني قدرة على مواجهة الهيمنة والتدخلات بمساندة أشقائه العرب فدفع رحمه الله ثمن هذا كله، ثمن اخلاصه وثمن نجاحه وثمن عطائه. رحمه الله رحمة واسعة.

شاركها.