محمد فاروق الإمام
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لا يخفى على أحد أن تضارب المصالح بين أنقرة وطهران في التطورات السورية شديدة الوضوح، لدرجة أنها تؤدي أحياناً إلى مواجهة عسكرية بين الجانبين.
وأن الحوار التركي مع نظام دمشق، الذي بدأ نتيجة تعاون أنقرة وموسكو اعتبرته بعض النخب السياسية الإيرانية محاولة لترسيخ مستقبل سورية بدون إيران.
ويمكن تفسير ذلك أن إيران، وهي الشريك الثالث لمسار “أستانة”، ليست مشمولة في عملية الحوار التي بدأت مع دمشق، وهذا مؤشر واضح على تنافس إيران مع كل من روسيا وتركيا في سورية، وبالتالي تباعد المصالح بين كل من روسيا وتركيا مع إيران، ولهذا يمكن القول إن أردوغان وبوتين ينظران إلى العلاقات الثنائية بينهما على أنها أكثر توجهاً نحو الحلول من عملية أستانة التي تشارك فيها طهران، لطالما سادت فكرة أن العوائق التي خلقتها إيران في عملية “أستانة” دفعت أنقرة وموسكو بالابتعاد عن طهران والتعاون بشكل ثنائي، إضافة إلى ذلك، كان لحرب كاراباخ الثانية في أيلول/ سبتمبر 2020 وتزايد نفوذ تركيا وقوتها في جنوب القوقاز، جعلت علاقة أنقرة مع طهران تشهد وميض نار تحت الرماد.
وفي الجانب الإيراني، هناك رأي سائد بأن أنقرة لا تهتم بعملية “أستانة”، وأن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين يريد استخدام نفوذ أنقرة داخل “الناتو”، لإدارة وتخفيف إجراءات الحلف ضده.
وتقر روسيا أنه بعد الحرب في أوكرانيا، أصبحت أولوياتها مع تركيا وإيران مختلفة للغاية ومتناقضة.
وعلى أي حال، فإن الأولوية الرئيسية لبوتين هي التركيز على الحرب في أوكرانيا، وفي هذا الصدد، فإن دور بلاده القوي في تليين العلاقات بين سورية وتركيا لافت للنظر.
ولا بد من الإقرار بأن تورط موسكو في حرب أوكرانيا دفع موسكو لتطور علاقاتها مع أنقرة، وهذا ما دفع موسكو إلى مطالبة دمشق بإعادة تقييم العلاقات مع أنقرة، لأن إدارة بوتين تبدو راضية عن موقف تركيا فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا.
ويمكن أيضاً قراءة الإصرار على وقف التصعيد في العلاقات التركية السورية على أنه دعم بوتين القوي لأردوغان، وهذا يبرز مرة أخرى تأثير الحرب في أوكرانيا على التطورات في الشرق الأوسط ومستقبل سورية.
النخب السياسية في طهران تتساءل هل من الممكن أن يتم التقارب بين دمشق وأنقرة بعيداً عن طهران؛ ونفس النخب تنظر إلى تركيا بأنها قوة صاعدة في العالم يحسب لها ألف حساب، وبالتالي فإن الرئيس أردوغان مصمم على متابعة مصالحه في سورية بهذه الثقة بالنفس.
بوتين الذي يحتاج إلى دور تركيا ونفوذها ومكانتها، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا، قد يعمل لدفع سورية باتجاه تركيا حتى ولو أدى ذلك إلى التأثير على سقف مصالحه في سورية.
ومع ذلك، فإن الوجود الإيراني القوي في سورية، قد يدفع طهران إلى مقاومة التقارب بين دمشق وأنقرة، وبالتالي يمكنها تغيير قواعد اللعبة لإحباط خطط أنقرة وموسكو، إذا رضخت دمشق لضغوط طهران.
ومن المعروف أن دور طهران كما موسكو في الحرب السورية كان أمنياً، دعماً للنظام في مواجهة الشعب السوري الذي اكتوى بنار قاذفات حمم الموت الروسية، ونشاطات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الرافضية التي جندتها إيران لذبح السوريين وقتلهم وتهجيرهم والاستيلاء على بيوتهم وما يملكون.
وإيران اليوم لا تملك القوة الاقتصادية اللازمة للمشاركة في إعادة إعمار سورية، وشعبها يتضور من الجوع وهو الأحوج إلى المال الذي تنفقه دولة “ولي الفقيه” على الصراعات التي تفتعلها في البلدان المجاورة لإيران لتحقيق طموحاتها في إنشاء امبراطورية ساسانية جديدة، وتركيا ليست الدولة الأولى في المنطقة التي تفكر في استئناف علاقاتها مع دمشق، لذلك فإن إيران لا تهتم فقط بتطبيع العلاقات التركية السورية، بل هي قلقة أيضاً من عملية تطبيع الخليج مع دمشق.
لذلك يرى الباحثون والمهتمون بالقضية السورية أن حوار أنقرة مع دمشق، الذي بدأ نتيجة تعاون أنقرة وموسكو، والذي اعتبرته بعض النخب السياسية الإيرانية محاولة لترسيخ مستقبل سورية بدون إيران.
ويمكن تفسير حقيقة أن إيران، الشريك الثالث لمسار “أستانة”، ليست مشمولة في عملية الحوار التي بدأت مع دمشق على أنها المؤشر الأكثر وضوحاً على تنافس إيران مع روسيا وتركيا في سورية، وتباعد المصالح بينها.
بالإضافة إلى ذلك، وبسبب حرب كاراباخ الثانية في سبتمبر 2020 وتزايد نفوذ تركيا وقوتها في جنوب القوقاز، بدأت علاقتها مع إيران تشهد “توتراً كامناً”.
في غضون ذلك، تستمر معارضة تركيا ورئيسها أردوغان لإيران بالازدياد، إذ ترى طهران أن “منافستها” لها ارتباط بري مع الجمهوريات التركية، نتيجة افتتاح ممر زانجيزور في منطقة القوقاز، وهذا يدل على أن إدارة طهران غير مرتاحة للسياسات الإقليمية التي يعمل عليها أردوغان، ولا تريد أن يفوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية القادمة.
أما عن موقف المعارضة السورية من الحوار الجاري بين دمشق وأنقرة برعاية روسية فحتى اللحظة لم يخرج عنها أي تعليق بشقيها السياسي (الائتلاف) والعسكري (الفصائل المسلحة)، أو أي تصريح بخصوص الدعوات التركية، فيما نقل “عربي 21” عن مصدر من الائتلاف طلب عدم الكشف عن اسمه، قوله إن الائتلاف يتجنب في الوقت الحالي التصريح على ما يجري، لأن كل التطورات الحالية لم تتحول إلى واقع ولم تخرج عن دائرة التصريحات السياسية.
وفي حال وصلت العلاقات بين النظام السوري وتركيا إلى مرحلة التطبيع الكامل، فإن ذلك سيؤدي حكما إلى خسارة المعارضة السورية لآخر الأطراف الخارجية الداعمة لها (تركيا)، وهو ما يفرض عليها، من وجهة نظر مراقبين، البحث عن الخيارات البديلة المتاحة.
لكن رغم ذلك، لا تبدو المعارضة السياسية مطمئنة، إزاء هذه التطورات، وخاصة أن تركيا تستضيف على أراضيها الائتلاف والحكومة المؤقتة وغالبية الشخصيات الفاعلة، إضافة لتواجد نحو أربعة ملايين سوري لاجئ فيها.
