شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

جاء في موقف اليوم الصادر عن الدائرة الإعلامية في القوات اللبنانية تعليقاً على التطورات الخطرة في القضاء:

يختلف مشهد انقسام الجسم القضائي اليوم عن مشهد انقسام الجسم العسكري عشيّة الحرب اللبنانية في العام 1975، فالانقسام ليس طائفيًّا لا على مستوى القضاء ولا بين اللبنانيين، إنما مواجهة بين مشروعين سياسيّين:

مشروع الدولة الذي يضمّ مسيحيّين ومسلمين، ومشروع الدويلة.

والتشرذم الذي يصيب الجسم القضائي بفعل الصراع بين مرجعيّاته يشكّل انعكاسًا للانقسام الوطني بين جناح قضائي يتمسّك بالدور المستقلّ للقضاء وبمسار العدالة التي يُفتَرَضُ بأنّها تعلو ولا يُعلى عليها، وبين جناح قضائي يشكّل امتدادًا لحقبة النظام الأمني اللبناني-السوري المشترَك الذي يَعتبِرُ القضاء أداة بيده وظيفته الوحيدة تصفية الحسابات السياسيّة عن طريقه.
وعندما حاول الجسم القضائي استعادة دوره وهيبته واستقلاليّته حاولت السلطة الوريثة للنظام الأمني السابق صدّه ومنعه من خلال تجميد التشكيلات القضائيّة حينًا، ورفض إقرار قانون استقلاليّة القضاء أحيانا، وتعطيل التحقيقات في الأحيان كلّها وإطلاق يد قاضية بهدف تشويه سمعة القضاء وصورته.

وعندما وجدت السلطة القابضة على الدولة أنّ بعض القضاة لا يتراجعون أمام وعيد وتهديد، ولا يأبهون لرسائل ساخنة معلَنة ومضمَرَة، ولا يخضعون لسلطة الأمر الواقع، ولا يكترثون سوى لضميرهم وقسمهم وعملهم، ولا يتنحُّون خوفًا على مصيرهم، قرّرت تفكيك الجسم القضائي تخلُّصًا من العدالة والحقيقة بعدما عجزت عن هذه المهمة بالوسائل السياسيّة والترهيبية.

فقرار كفّ يد القاضي طارق البيطار متَّخَذٌ منذ زمن بعيد، وبعدما عجز النظام السياسي-الأمني-القضائي عن كفّ يده مستخدمًا وسائل الضغط الممكنة كلّها، لجأ إلى خياره ما قبل الأخير من خلال تفجير القضاء من داخله.

وما حصل يجب ألّا يتحوّل إلى مادة إحباط جديدة وبكاء على قضاء معروفة حدوده سلفًا، وهذا ما دفع “القوات اللبنانية” منذ لحظة وقوع انفجار 4 آب إلى المطالبة بلجنة تقصّي حقائق دوليّة، ولا بل يجب النظر إلى النصف الملآن من الكوب وهو أنّ جزءًا من الجسم القضائي خاضَ مواجهة غير متوقعة بجرأة استثنائيّة دفاعًا عن دوره وسعيًا إلى العدالة والحقيقة ورفضًا لاستمرار الجسم القضائي أداة بيد النظام السياسي-الأمني.

وقد دلّت المواجهة القضائيّة أنّ إعادة عقارب الساعة إلى زمن النظام الأمني القديم مستحيلة، ودلّت على وجود قضاة شجعان لا يهابون سوى ضميرهم وعملهم بعيدًا من أيّ تأثيرات خارجيّة، كما دلّت على وجود بيئة سياسيّة وشعبيّة حاضنة لهؤلاء القضاة وحاضنة لمشروع الدولة في مواجهة مشروع الدويلة.

وما أصاب الجسم القضائي كان متوقَّعًا، ولكن ما لم يكن متوقَّعًا هو المواجهة الرائعة التي خاضها بعض القضاة والتي تعطي أملاً للبنانيّين بأنّ نضالهم أثمر وأحرز وأنتج وحقّق، وتمدّهم بالزخم من أجل مواصلة النضال سعيًا إلى قيام الدولة الفعلية التي في كنفها وحدها يمكن للقضاء أن يقوم بدوره.

ويبقى أنّ المواجهة القضائيّة هي فصل من فصول المواجهة المفتوحة بين مشروعي الدولة والدويلة.

شاركها.