مصعب الأحمد
منصب ، ونفوذ ، ومال ، فلماذا ثرت يا سيادة القاضي ؟
القاضي ؛ بعد ان أنهيت دراسة المحاماة قررت وبعض الطلبة دخول معهد القضاء وهما سنتان دراسة يخرجان قاضيا .
وكنت أرى في القضاء ما ترى .
انا وكما تعلم من عائلة ذات التزام، ومال ، وليست ذات نفوذ ، وليس في الشام كلها أحد يستطيع أن يقول أنه صاحب نفوذ ،
ولان لدينا المال استطعنا ان نحصل على فرز الى القضاء العسكري على خلاف الانظمة المتبعة ، وتم ارسالي بصفة قاض متدرب، لأن فترة التدريب شرط للتأهيل لعمل القضاء ، وأرسلت فعلا الى احدى المحاكم العسكرية ، وهي محاكم مختصة من حيث النشأة بمحاكمة الجند المخالفين للأوامر أو الهاربين من الخدمة بيد أنه صار مكانا لمحاسبة كل أحد مهما كانت صفته ..
جلس القاضي خلف القوس ، وجلست الى جانبه مما يدنو المنصة، وجيء بالمتهمين مكبلين بالسلاسل .
سيق المتهم الاول ..
القاضي : يقرأ تهمته ويرسل نظرة اليه من فوق النظارة .
وجدوا في حيازته كتب سياسية ..
والله يا سيدي انا ما عندي علم بشي، وانا متهم ، ووقعت على الأوراق تحت الضرب والتعذيب والاكراه في فرع الأمن العسكري .
القاضي يرتشف القهوة ببرودة اعصاب بالغة
: اكتب ( حكمنا نحن قاضي محكمة …. بالسجن “احدى وعشرين سنة ” على المتهم ….
تجمدت يدي وأصبت بالذهول ، وكأني صممت ولم اسمع جيدا .
قال القاضي مابك ؟
قلت : كم ؟!
وكنت سمعت لكن لم اصدق ما سمعت .
هل تستحق تهمة دون أدلة، دون شهود ، دون مجلس قضاء ، دون وجود دفاع ، كل هذه العقوبة وهذا الجزاء ؟
ولنفرض أنه فعل ألا تكفي بضعة أشهر أوسنة على الأكثر ؟
اعاد وهو يرشف القهوة ببرودة أعصاب لم أعرف لها مثيلا : حكمنا نحن قاضي محكمة … … بالسجن “اثنان وعشرين سنة ” هي لأنك لم تسمع جيدا “
تجمدت يدي وكتبت بخط مرتعش ، فيه من القهر ما فيه ، هنا لا تستطيع أن تتعاطف ولا أن تناقش ، ولا أن تتدخل .
القاضي : دخّل المتهم الثاني ..
وجدوا في حوزته شريط كاسيت لتنظيم محظور ، ولم يقر أو يثبت انتسابه للتنظيم.
القاضي : دون سؤال دون استجواب دون أي شيء : ( حكمنا نحن قاضي محكمة …. بالسجن “خمسة عشر سنة مع الأشغال الشاقة .
المتهم الثالث ( عسكري متهم بأنه تعدى بالضرب وتهديد السلاح على ضابط اثناء تأدية الخدمة )
كان الشاب من أبناء العشائر وهم دون سواهم يبالغون في الأنفة ويظهر أنه لا يفهم كيف تسير الامور في الخدمة العسكرية .
تأخر في تنفيذ أمر عسكري ، وكان بأن يخلع كل ثيابه ويبقى بالملابس الداخلية ، فتقدم الضابط منه وشتمه بأقذع العبارات ، فلم يستطع الشاب الذي نشأ في عشيرة تتفاخر بالكرم والشهامة ،والعزة أن يتحمل فحملق ببصره الجندي مغضبا ، فبصق الضابط في وجهه ، وهنا هجم المجند وأمسك بوجهه وهزه بعنف .
تكالبت عليه الشرطة العسكرية وهطلوا عليه بوابل من العصي حتى كسرت أضلاعه ونجا من الموت و حمل الى مشفى ، خرج من مشفى السجن الى المحاكمة مباشرة .
كان الضابط الذي ضُرب ينحدر من القرداحة وله بعض النفوذ فأمر كاتب الضبط ان ينظم له ان العسكري هدد بالسلاح الضابط الأعلى رتبة.. ولأنك في بلد اللا قانون و لا تحتاج الى شهود ، تمت الأمور كما يريد الضابط .
القاضي ، اكتب : شروع بالقتل ، وقد حكمنا بالسجن خمسا وعشرين سنة ..
مر يوم علي في غاية القسوة لم استطع النوم ، وكان أن أسررت لاستاذي بعض ما وجدت في نفسي فقال يا بني ( اذا اردت أن تستريح شو ما شفت قول منيح ) أي لا تعترض ، وقال : لا تتلف نفسك يا بني ..
واسيت نفسي وقلت: لو صرت قاضيا سأطبق القانون على الجميع ، وسافرج عن المظلومين واساعد المحتاجين ، واحقق العدالة ، واغمضت جفنا من الرضا لانعم ببعض الراحة النفسية ونمت .
لم اطق أن أكمل في القضاء العسكري فطلبت أن أتحول للقضاء المدني وتم ذلك .
وعندما جلست خلف القوس لاول مرة في القصر العدلي، شعرت أنني صرت قاضيا بالفعل ، وبلغت المراد ، وكان يوما مشهودا ، ماهي إلا أيام وتعرض عليي واقعة لشخص ارتكب جرما والتهمة تلبسه من رأسه لقدمه ، وعقوبتها خمس سنوات ، وقبل أن أكمل قراءة المحضر ، دخل شخص معه ورقة وسلمني اياها ، مكتوب فيها ” المعلم بدو يحكي معك.. رد عالهاتف “
باختصار كان المعلم مسؤولا سابقا والان هو عضو في الأمن القومي ، والقيادة القطرية ، قلت – احترامي سيدي ..
- بعنجهية وتعالي يا ابني هذا المتهم امامك ماعليه شيء نحنا نعرفه جيدا ، عطيه براءة ، واغلق الهاتف . حتى قبل أن يسمع ردي .
استشطت غضبا ، امتلأت غيظا .
وقلت في نفسي كيف قررت انه بريء؟ بل كيف حكمت بذلك ؟ أنا القاضي هنا ، أنا الذي أقرر أنا الذي أحكم ..
وللعلم فان الامن القومي مركز تشريفي لكل مسؤول تنتهي فترة خدمته ، فينفى الى هناك حيث له مكتب ، وحرس ، وخدم ، ووضع اجتماعي ، دون أي وظيفة تعرف ، ولا قيمة له ان لم يكن علويا.
كان المتكلم معي علوي ..
أجلت الحكم للمداولة .
وذهبت من فوري إلى المحامي العام الأول وكنت اعرفه ويعرفني خارج عمل الوظيفة .
قال القاضي الاول ( كول خبز يا ابني ) ولا تعمل عنتريات ، انت مازلت جديدا هنا ، ولا تعرف كيف تدار الدنيا ، وخفض صوته وقال : اصغر عنصر أمن يمكنه نفيك الى الرقة ودير الزور او ادخالك السجن ،أو حتى عزلك من منصبك ، انت من جماعتنا ( يقصد انني سني ) ، فلا قيمة لك، ولا قيمة لوزير ولا لأعلى منه ، عنصر أمن حقير يأمره وينهاه .
نحن دولة يحكمها العسكر ، دولة بوليسية ، هنا يا بني ليش ثمة قانون . عزاؤنا أننا ربما افلتنا بعض الناس من المظالم .
قلت: لمن القانون اذا ؟ أين ما قرأناه عن استقلالية القضاء وأين وأين ؟
قال : القانون على الضعفاء والفقراء ومن لاظهر له ،أما غيرهم فهم فوق القانون ، بل يدوسون القانون بأقدامهم ،
هي هكذا يا سماحة القاضي ، فهدئ من روعك ..
أنت هنا قاضي الجماعة ، ليس بالمعنى التاريخي لهذا المصطلح ، بل بالمعنى القذر ، الجماعة هنا تعني أجهزة الأمن والعسكر وحسب .
تكررت تلك الحوادث مرارا ، وكل مرة أزداد ازدراء لنفسي واحتقارا لمنصبي ، أنا هنا فقط لأنفذ ما يريده هؤلاء السفلة .
كانت الثورة فرصة سانحة لاكفر عن سيل الخطايا، ووابل المظالم التي وقعت عليها وشاركت بها وسكت عنها ولعل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الجنة ويغفر لنا .
ثم تسألني لماذا ثرت ؟
