محمد فاروق الإمام
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
التنافس على أشده بين العملاقين الأمريكي والروسي لجذب تركيا إلى جانبهما في هذا الصراع الطويل بين البلدين، وخاصة في هذه الأيام حيث تخطى الصراع بينهما على مستوى الحرب الباردة إلى حرب تندرج نحو الاشتباك المباشر بين الدولتين النوويتين، وما يمكن أن يجر ذلك على العالم من دمار يصل إلى الفناء، عقب غزو روسيا لجارتها أوكرانيا، والرد الأمريكي والغربي في تزويد أوكرانيا بالأسلحة المتطورة والحديثة لتحول دون انكسار أوكرانيا وهزيمتها وبالتالي لتصبح أوروبا على مرمى نيران روسيا، فنجد أن كلا الدولتين تخطب ود تركيا لما يمثله موقعها وحجمها وإمكاناتها وعلاقاتها الدولية لتكون إلى جانبها في مواجهة عدوها.
الرئيس رجب طيب أردوغان بحكمته ورزانته وصلابته ورجاحة عقله يقف بين الطرفين كمن يمسك بالعصى من الوسط وعقله وقلبه يتوجه نحو مصلحة بلاده دون انحياز لأي من الطرفين، فنراه يعرب عن ثقته الكبيرة في استمرار التعاون بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة القادمة، بفضل الشراكة الاستراتيجية القائمة بينهما.
وجاء ذلك خلال كلمة في بداية اللقاء الذي جمعه مع الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، على هامش قمة مجموعة العشرين المنعقدة في مدينة أوساكا اليابانية.
وأشار أردوغان إلى أهمية اجتماعه مع ترامب على هامش القمة، وقال: “لدينا الآن حملة لبلوغ ذروة التبادل التجاري بين تركيا والولايات المتحدة، المتمثلة بـ75 مليار دولار”، وأضاف: “هناك أيضًا خطوات اتخذناها وسنتخذها حيال الصناعات الدفاعية، ولكن قبل كل شيء لدينا شراكة استراتيجية”.
وشدّد أردوغان على أن هذه الشراكة الاستراتيجية تشجع على التعاون في العديد من المجالات بين البلدين، فأردف قائلاً: “ثقتي كبيرة في استمرار تعاوننا بنفس الشكل خلال المرحلة القادمة”.
وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في كلمة وجهها عبر اتصال مرئي إلى مؤتمرات لحزب العدالة والتنمية: إن بلاده ترغب بتوطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة لحل القضايا الإقليمية، نريد أن نكون في حالة تعاون أقوى مع أصدقائنا وحلفائنا، وأضاف: نرغب في استثمار تحالفنا الوثيق مع أمريكا بشكل فعال لحل كافة القضايا الإقليمية والعالمية.
ومضى قائلا: نرغب أيضا في استثمار تحالفنا الوثيق مع أمريكا بشكل فعال لحل كافة القضايا الإقليمية والعالمية، كما أنه لا يمكننا تجاهل علاقاتنا مع دول تربطنا بها روابط تاريخية عميقة مثل روسيا.
وشدد على سعي أنقرة لتعزيز علاقاتها مع كافة التكتلات الإقليمية حول العالم، إلى جانب سعيها لإيجاد حلول قائمة على أساس الوحدة السياسية والجغرافية لكافة الدول بدءاً من سورية وحتى ليبيا.
وأكد أنه لا يحق لأحد توجيه اتهامات باطلة أو تهديدات ضد تركيا، مشددا أن بلاده تتحرك وفقا لمفهوم قائم على القانون والحقوق والعدالة، والوقوف بجانب المظلومين والضحايا.
وشدد على أنه ليس لتركيا مشكلة مع أي دولة أومؤسسة لا يمكن حلها من خلال الحوار والدبلوماسية، لافتا إلى إبقاء قنوات الحوار مع الآخرين مفتوحة على الدوام.
وبالانتقال إلى العلاقة التركية الروسية فقد سمعنا من بوتين في أردوغان ما لم نسمعه منه بحق أي زعيم عالمي، لأنه نادرًا ما يكيل المديح لأي من نظرائه من الرؤساء أو يثني عليه. ولكن بوتين لم يتردد، في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2022، في إمطار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالثناء.
فقد قال بوتين: أردوغان زعيم قوي ومتين، ويعمل بما يتماشى مع مصالح تركيا، وبعد أسابيع قليلة، وفي معرض الحديث عن تجديد اتفاق البحر الأسود لتصدير الحبوب الأوكرانية، رد أردوغان التحية بأفضل منها، منددًا بالضغوط التي تفرضها الولايات المتحدة على روسيا، ومناديًا بتسهيل تصدير الحبوب ومنتجات السماد الروسية.
الحقيقة، أن العلاقات التركية-الروسية لم تكن منذ عقود طويلة بأفضل مما هي عليه اليوم. عندما شرعت الدول الغربية في فرض عقوبات على روسيا بعد انطلاق “العملية العسكرية” الروسية ضد أوكرانيا، رفضت تركيا الالتحاق بركب العقوبات، ولم يلبث كبار رجال الأعمال الروس وصغارهم أن انتقلوا إلى تركيا، بعد أن أقفلت الأسواق الأوروبية أبوابها أمامهم. نجحت تركيا، بجهود دبلوماسية خارقة، في تنظيم جولات تفاوض روسية-أوكرانية. ومع مضي عجلة الحرب، بات واضحًا أن تركيا أصبحت الوسيط الوحيد، محل ثقة القيادة الروسية؛ وهو ما اتضح في قيادة تركيا الجهود التي أثمرت إتمام الاتفاق الذي سمح باستئناف تصدير الحبوب الأوكرانية.
في المقابل، يصعب القول بأن إدارة بايدن قامت بما يكفي لإعادة موضعة العلاقات التركية-الأميركية على أسس مرضية لأنقرة. لم تزل الحكومة التركية تنتظر توكيدًا إيجابيًّا من واشنطن لطلب أنقرة شراء أربعين طائرة إف-16، الذي تقدمت به قبل أكثر من عام. كما أن تركيا لم تجد إلى اليوم استجابة حقيقية لمطالباتها المتكررة برفع المظلة الأميركية عن قوات سورية الديمقراطية ووحدات حماية الشعب، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني.
هذا التباين بين الدفء الملموس في العلاقات التركية-الروسية، في جانب، ومظاهر التوتر المديدة في علاقات تركيا بحليفاتها الغربيات، من فرنسا إلى الولايات المتحدة، دفع البعض إلى طرح تساؤلات حول ما إن كانت تركيا بصدد التحلل من عضويتها في حلف الناتو، والتوجه بدلًا من ذلك إلى الشرق. ألم يقل أردوغان، في سبتمبر/أيلول من عام 2022: إن هدف تركيا هو العضوية الكاملة في منظمة دول شنغهاي للتعاون؟
فكيف يمكن قراءة العلاقات التركية-الروسية، وما يمكن أن تتمخض عنه؟ هل أنقرة بصدد المضي نحو إقامة تحالف فعلي مع الجارة الأورو آسيوية الكبرى، بغض النظر عن تأثير هذا التحالف على علاقات تركيا التقليدية مع الغرب والولايات المتحدة أم أن هذه مجرد لحظة عابرة في تاريخ طويل من التنافس والعداء بين روسيا وتركيا، صنعتها مستجدات عالمية جديدة فرضت نفسها على مواقف الدول ومنها تركيا.
