شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

مصعب الأحمد بن أحمد
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عضو رابطة العلماء السوريين

في الحياة ثمة مواقف مؤلمة ، وأخرى مفرحة ، وهناك مواقف لا يمكن أن تنسى ..
الثوب عبارة عن مجموعة من الخيوط ، حبكتها آلات معقدة ، واستطاعت نسجها لتشكل منها لوحة فنية ، ثم جاءت ايد خبيرة فحولتها الى  تلك الأشكال التي تراها في واجهات متاجر الماركات العالمية ، وكلما كانت الآلة أعقد ، والخيوط أجود ، والنسج أحكم ، كلما زادت قيمة الثوب ، ولعلك لو نظرت في ثوبين وأنت لا تعرف قيمتهما ، ستشعر فورا بالاجلال للأدق صنعة والألطف ملمسا .
هذا النسيج عبارة عن خيوط تراكمت لتشكل ماتراه الآن جودة أو رداءة .
الأخلاق كذلك !
عبارة عن خيوط من المواقف والتجارب والكلمات ، يراها الانسان أو يمر بها ، أو يقرأ عنها فتبدأ بتشكيل ذاك النسيج القيمي ، وكلما رقت وكانت أوثق وأقوى كلما شكلت ثوبا خالدا وعظيما لا يكاد يفتق مع الزمن .
وكما أن الثياب منازل وأثمان ، فالأخلاق أيضا تتفاوت ، منها ما يساوي قروشا ومنها ما فاق آلاف الجنيهات .
الذي نشأ في محيط من المكارم والفضيلة ، نسج ثياب العفة والطهارة والرقي بأجمل ما يتصوره المرء ، وسترت هذه الثياب عوراته الفكرية والأخلاقية  .
والذي نشأ في بيئة رديئة ساقطة ، لاشك أنه لن ينسج سوى خيوط الوضاعة ، ولن تستر تلك الأسمال عورته .
يمر الانسان في حياته بمواقف كل منها عبارة عن خيط يشكل نسيجه ، وتكون تلك الخيوط عبارة عن ديون مؤجلة ، يأخذها اليوم ليهبها غدا لغيره فلو سألوك عن مصدر تلك المكارم فأخبرهم أن هناك عظماء قد نسجوها وأحسنوا حبكتها ،يتمتع بها الآن ليقدمها لغيره فيما بعد .
يذكر أحد الفضلاء أن شيخا له كان ملتزما بالسّنّة لدرجة بالغة ، وكان قد قارب المائة من عمره ، وكان دخوله إلى الحمام يحتاج الى جهد عظيم ومساعدة ممن حوله ومشقة بالغة ، وحدث أنهم أدخلوه الحمام ، وجلسوا ينتظرونه ليقضي حاجته ، وإذا به يصرخ وينادي بعد لحظات ويحاول الخروج ، أدرك المرافق أنه لم يكد يقضي حاجته ، فقال لعل أمرا طرأ عليه . فساعده حتى خرج من الحمام ، فنظر الشيخ الى المرافق وقال ( ما تعوذت ) !!
يقصد أنه نسي سنة التعوذ قبل دخول الخلاء
يقول الرجل: والله لقد فعلت ذلك مئات المرات ، أنسى فأخرج لأتعوذ ، وأرجع وكل تلك السنن التي طبقتها في صحيفة شيخنا.
وحدثني أحدهم أنه دخل صيدلية ليشتري دواء فمد يده ليخرج الثمن من جيبه فلم يعثر على المال!! وأدرك للحظة أنه غير الثوب الذي وضع فيه المال ، يقول فأصبت بالحرج البالغ والمكان مكتظ ، فنظر الي الصيدلي بسرعة وقال مبتسما : كم مرة ستعطيني المال؟ يبقى لك عندنا أربع ليرات ، سأعطيك بها لاصق جروح وسامحنا لعدم وجود فكة ..
ومر الأمر بسلام ولم يشعر أحد بشيء .
يقول الرجل : عدت بالمال فيما بعد ، وشكرت الصيدلي على كريم أخلاقه ، ثم أعقب فقال ، كان هذا الموقف دينا ثقيلا عليي ، مررت بمواقف في حياتي عديدة ، فكم تجاوزت عن تقصير الآخرين ، وتغافلت عن اساءتهم  ،وكم تسامحت مع الناس .
كان موقفا واحدا نسج في نفسي ثوب فضيلة لا تمزقه الأيام ولا تبليه السنون .
وجرى اني قرأت : أن أحد الناس زور ورقة يدعي فيها أن تاجرا أمر له بألف دينار ، وذهب الى عامله يطلب صرفها له ، وبينما هما يتحدثان اذا بالتاجر يحضر فارتبك المزور ، وشعر بحاجة لان تنشق الأرض فتبلعه ، فقال العامل يا سيدي ان هذا الرجل جاء بهذه الورقة يدعي انك أمرت له بالمال ، فقال التاجر وقد أدرك الأمر ، اتدري لم جئتك الساعة ؟ قال العامل :  لا !
قال كي استعجلك في صرف المال له .
ثم شيعه الى الخارج فقال المزور والمال في يده ، سترك الله كما سترتني .
والله لا انساها لك .
فقال التاجر ، اما المال فهو لك ، ولا تعد لمثلها ابدا !!!
وكان ان زارني في دمشق أحد المحسنين ، وقال سمعتك تتكلم عن دعم مدرسة القرآن ، فكم تحتاجون؟ قلت:  كذا  ، قال لا تكلم أحدا أنا سأتكفل بكل شيء ما حييت وقدرت .
ومرت الأيام وتعمقت الصلة واكتشفت أن هذا الرجل الذي يدفع الآلاف الكثيرة مما يعجز عنه كثيرون ، هو ذاته الذي يسكن بيتا مستأجرا ! ولا يملك بيته ولا سيارته .
كم وكم أثرت في نفسي تلك الحادثة ، وكم رأيت من المحسنين في حياتي بيد أني لم اشاهد في حياتي مثله  .
لو رأيته لظننته من أقل الناس شأنا ، ولا تكاد تقيم له وزنا ، ويمكن أن تتعاطف معه فتتصدق عليه .
غيرت هذه الحادثة في نفسي كثيرا من المعاني ،   وطوال سنوات غابت عني كثير من الأحداث الا أن هذه الحادثة ماثلة في ذهني لا تكاد تتزحزح .
وكان أن سألته يوما ما الذي يدفعك الى كل هذا البذل ؟ والزهد ؟
فقال : تعلمنا منكم أنه ما نقص مال من صدقة ، وتعلمنا أن ندخر المال للمكان الذي نحتاج اليه حقيقة يوم لا ينفع مال ولا بنون .
فقلت له : صدقني نحن الذين نتعلم منكم ..
ومر زمن ، فكان من عادتي أن أقف على الشرفة بعد صلاة الفجر فاستنشق عبر الصبح وأشاهد ولادة الشمس ، وكان أن أرسلت نظري نحو الشارع ، فرأيت امرأة قد تجاوزت الخمسين من عمرها فيما قدّرت ، تلبس جلبابا وخمارا لايظهر منها سوى عيناها ، ممتلئة بعض الشيء مربوعة القامة  ، تلبس نظارة سميكة ، توحي أنها ضعيفة البصر ، وتحمل فوق ظهرها كيسا كبيرا يظهر انه ثقيل لبطئ حركتها به ، وبيدها منجل تعبث فيه في حاوية القمامة لعلها تجد بعض البلاستيك أو المعادن تجمعها لتبيعها ، وتقتات منها ، وتكرر المشهد لثلاثة أيام متوالية ، فرققت لحالها ، لما شعرته من صدقها ، فمن يتصنع الحاجة لا يخرج في هذا الوقت عادة والشوارع فارغة ،  وكان أن أرسلت ابنتي ببعض القروش لتعطيها لها ، فنظرت اليها وقالت بلطف بالغ  (أنا أعمل ولا أتسول)  ، اعطها لمن لايستطيع أن يعمل ، ومضت في طريقها .
لا يمكن تصور كم قلبت هذه الجملة في رأسي ، وكم  أثرت في نفسي ، وكم دعوت الله تعالى لها علمتني بكلمات صادقة ، دروسا أبلغ من ألف درس وخطبة وكلمة عن العزة والأنفة والكبرياء والعظمة والزهد  .
بمثل هذا المواقف تنسج شخصية الانسان ويتكون نسيجه الاخلاقي والقيمي ، ويتعلم منها مالا تعلمه اياه أرقى الجامعات وأعظم المؤسسات ..

شاركها.