لم تعد أزمة الجامعة اللبنانية مجرد خلل إداري يمكن ترحيله من جلسة إلى أخرى، ولا ملفاً سياسياً قابلاً للمساومة والتأجيل. إنها أزمة تمسّ مباشرة حق أكثر من سبعين ألف طالب في التعليم، وتهدد استمرارية عامهم الجامعي، وتؤخر تخرجهم، وتبدد فرصهم الأكاديمية والمهنية، وتدفع كثيرين منهم إلى اليأس أو الهجرة.
إن الحق في التعليم ليس منّة من الدولة ولا امتيازاً قابلاً للتعليق عند كل خلاف سياسي أو إداري. وهو حق تلتزم الدولة بحمايته وضمان استمراره، ولا سيما في الجامعة اللبنانية، التي تشكل المؤسسة التعليمية الوطنية الأساسية والمتاحة لآلاف الطلاب الذين لا يملكون القدرة على تحمل كلفة الجامعات الخاصة أو الانتقال إلى الخارج.
ومع بقاء مجلس الجامعة ناقصاً، وتأخر تعيين العمداء، وعدم حسم آلية اختيار رئيس الجامعة، واستمرار تعليق ملف تفرّغ الأساتذة المتعاقدين، يتحول الطلاب إلى رهائن لشلل الدولة وعجزها عن اتخاذ القرار. وهذا الواقع لا يمكن تبريره باعتباره مجرد تأخير إداري، لأن نتائجه تطال بصورة مباشرة انتظام التعليم وحقوق الطلاب ومستقبلهم.
كان يُفترض أن تكون الجامعة اللبنانية في صلب مشروع الإصلاح والإنقاذ، فإذا بها تصبح دليلاً صارخاً على استمرار التعطيل. فكل يوم يمر من دون معالجة هذه الملفات لا يعني تأخيراً إدارياً فحسب، بل قد يعني محاضرات لا تُعقد، وامتحانات تُؤجّل، وبرامج أكاديمية تضطرب، وتخرجاً يتأخر، وربما سنة كاملة تضيع من عمر طالب لا يملك أصلاً القدرة على الانتقال إلى جامعة خاصة أو تحمّل كلفة إضافية.
إن استمرارية العام الجامعي ليست تفصيلاً تقنياً، بل التزام قانوني وأخلاقي يقع على عاتق الدولة. ولا يجوز أن يتحمل الطلاب نتائج الخلافات السياسية، أو الفراغ المؤسساتي، أو التأخر في اتخاذ القرارات، أو النزاع حول الصلاحيات. فالدولة مسؤولة عن تأمين الحد الأدنى من انتظام المرفق العام التعليمي، وعن اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تعطيل الدراسة أو تحميل الطلاب كلفة الأزمات التي لم يتسببوا بها.
كما أن استمرار الفراغ أو التمديد في مواقع قيادية، أو اختزال القرار في شخص واحد، لا يضعف الحوكمة فحسب؛ بل يعرّض مستقبل الطلاب مباشرة للتجاذبات السياسية والإدارية، ويقوّض حقهم في جامعة مستقرة تُدار وفق القانون والمؤسسات، لا وفق التسويات والانتظار المفتوح.
إن المطلوب من السلطات المعنية ليس إصدار وعود جديدة، بل اتخاذ قرارات واضحة وملزمة تضمن:
* استكمال تشكيل مجلس الجامعة وتفعيل دوره المؤسساتي.
* تعيين العمداء وفق الأصول القانونية والمعايير الأكاديمية.
* حسم آلية اختيار رئيس الجامعة بما يحترم القانون واستقلال الجامعة.
* معالجة ملف تفرّغ الأساتذة المتعاقدين بصورة شفافة وعادلة، بما يضمن استقرار الهيئة التعليمية.
* وضع خطة طارئة لحماية استمرارية العام الجامعي ومنع ضياع أي فصل أو سنة دراسية.
* إعلان جدول زمني واضح وملزم لمعالجة الملفات العالقة، مع تحمّل المسؤولية عن أي تأخير إضافي.
إن حماية الطلاب لا تتحقق بالبيانات ولا بتبادل المسؤوليات، بل بقرارات فعلية تضمن حقهم في التعلم، وحقهم في التخرج ضمن مهل معقولة، وحقهم في جامعة وطنية مستقرة وعادلة.
لقد حان الوقت للتعامل مع أزمة الجامعة اللبنانية باعتبارها أزمة حقوق عامة ومسؤولية دولة، لا مجرد ملف إداري قابل للتأجيل. فكل يوم تعطيل هو اقتطاع من مستقبل الطلاب، وكل عام جامعي مهدد هو إخفاق في حماية حق أساسي، وكل قرار مؤجل يحمّل الجيل الجديد كلفة عجز المؤسسات.
أنقذوا الجامعة اللبنانية، لا من أجل صورتها فقط، بل من أجل طلابها. احموا عامهم الجامعي، صونوا حقهم في التعليم، وأثبتوا أن الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.
فالجامعة اللبنانية ليست ملكاً لأحد، وطلابها ليسوا رهائن للأزمة.
