توجه عدد من أساتذة الجامعة اللبنانية بنداء الى وزيرة التربية ريما كرامي تناول استحقاق رئاسة الجامعة اللبنانية وما يحيق بالجامعة من مخاطر جراء مخالفة القانون والقواعد الأكاديمية
نص النداء
إلى معالي وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي
مناشدة لحماية الجامعة اللبنانية من تحويل القانون إلى أداة لتكريس الأمر الواقع
معالي الوزيرة،
نتوجه إليكم اليوم ليس باعتباركم وزيرة للتربية والتعليم العالي فحسب، بل باعتباركم أكاديمية تعرفون قيمة المؤسسة الجامعية، وتدركون أن أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة هو أن تصبح القواعد الأكاديمية والقانونية خاضعة لموازين السياسة ومصالح الأشخاص.
ولذلك، فإننا نناشدكم ألا تقبلوا بأن يتحول استحقاق رئاسة الجامعة اللبنانية إلى سابقة يُعاد من خلالها رسم القواعد القانونية بما يتلاءم مع شخص أو موقع أو ظرف سياسي.
لقد أصبح التسلسل الزمني لهذا الملف، كما تظهره الوثائق والتقارير ، موضع تساؤلات جدية: فُتح باب الترشح في 14 تموز، ثم صدر القانون رقم 45 في 17 تموز ونُشر في 23 تموز، قبل أن يصدر المجلس الدستوري قراره في 3 أيلول بإبطال أجزاء من القانون.
والأكثر إثارة للتساؤل أن إعلان فتح باب الترشح صدر عن رئيس الجامعة الحالي نفسه، داعياً الأساتذة إلى تقديم ترشيحاتهم إلى رئاسة الجامعة.
هنا تحديداً، لا يعود الأمر مجرد نقاش حول شخص يريد التجديد لنفسه.
إنه سؤال عن قواعد الحوكمة الجامعية وتضارب المصالح والجهة التي تملك قانوناً صلاحية إدارة استحقاق يكون رئيس الجامعة نفسه أحد أطرافه.
وإذا كانت الجامعة اللبنانية تعاني أصلاً من غياب مجلس الجامعة، وهو غياب أُثير علناً في سياق هذا الاستحقاق، فإن المطلوب ليس توسيع الصلاحيات الفردية، بل التشدد في احترام المؤسسات والمرجعيات القانونية.
معالي الوزيرة،
لا تقبلوا أن يصبح التشاطر القانوني بديلاً عن احترام القانون.
ولا تقبلوا أن تتحول التعديلات التشريعية المتلاحقة إلى وسيلة لإنتاج أمر واقع جديد، أو أن يصبح تعديل القواعد في لحظة الاستحقاق مدخلاً لتثبيت شخص بعينه.
فالجامعة اللبنانية تضم قامات أكاديمية وعلمية كبيرة، ومن حق هؤلاء أن يعرفوا أن أبواب القيادة الأكاديمية ليست مغلقة أمامهم، وأن مستقبل الجامعة لا يحدد مسبقاً في الغرف السياسية.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالجامعة الوطنية هو أن نقتل فيها فكرة التداول والتجديد.
فالجامعة التي لا تتجدد قياداتها، ولا تتنافس فيها الكفاءات، ولا تُحترم فيها قواعد تكافؤ الفرص، تفقد شيئاً من رسالتها الأكاديمية قبل أن تفقد استقلالها الإداري.
معالي الوزيرة،
إن مسؤوليتكم اليوم أن تقولوا بوضوح: لا أحد فوق القانون، ولا أحد أكبر من الجامعة، ولا يجوز أن تُصاغ قواعد المؤسسة لمصلحة شاغل منصب بعينه.
وإذا كان القانون يسمح بالتجديد، فليكن ذلك وفق قانون واضح، مستقر، عام، ومطبق على الجميع، لا عبر نصوص استثنائية أو انتقالية تثير شبهة استهداف حالة محددة.
وإذا كان هناك خلاف قانوني حول أهلية الترشح أو سلامة الإجراءات، فليكن الحسم من خلال مرجعية قانونية ومؤسسية مستقلة وواضحة، لا من خلال الأمر الواقع.
لقد تدخل المجلس الدستوري بالفعل في هذا الملف وأصدر قراره رقم 8/2026 في 3 أيلول، ما يؤكد أن المسألة لم تكن مجرد جدل سياسي عابر، بل تضمنت مسائل دستورية وقانونية جدية.
ومن هنا تأتي مناشدتنا لكم:
لا تسمحوا بأن يكون عهدكم في وزارة التربية والتعليم العالي شاهداً على انحدار المعايير الأكاديمية لحساب التسويات السياسية.
أنتم قادمون من خلفية أكاديمية راقية، والتاريخ الأكاديمي لا يرحم عندما تتحول الجامعات إلى ساحات للمحاصصة والنفوذ.
لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً عندما أصبحت المؤسسات العامة رهينة التوازنات السياسية والطائفية والحزبية.
فلا تجعلوا الجامعة اللبنانية تدفع الثمن مرة أخرى.
والتاريخ سيذكر بأحرف من نور أولئك الذين دافعوا عن القانون والمبادئ الأكاديمية عندما كان الدفاع عنها صعباً، كما سيذكر، في المقابل، من سمحوا بتحويلها إلى أوراق تفاوض في بازار السياسة.
الجامعة اللبنانية ليست ملكاً لحزب، ولا لطائفة، ولا لشخص.
إنها ملك لبنان.
ورئاسة الجامعة ليست جائزة سياسية، ولا امتيازاً شخصياً، ولا حقاً مكتسباً لشاغل المنصب.
إنها مسؤولية وطنية وأكاديمية يجب أن تبقى مفتوحة أمام الكفاءة، والتجديد، والتداول، واحترام القانون.
معالي الوزيرة،
قد تمر التسويات السياسية، وقد تتغير الحكومات والعهود والأشخاص.
لكن ما يُفعل بالجامعة اللبنانية اليوم سيبقى في سجل تاريخ التعليم العالي في لبنان.
لذلك نناشدكم أن تكونوا في هذه اللحظة حارسة للمؤسسة لا شاهدة على تراجعها، وصوتاً للقانون لا صدى للتسويات، وأن تضعوا المصلحة الأكاديمية فوق أي اعتبار سياسي.
فالمطلوب اليوم ليس إسقاط شخص ولا تنصيب شخص.
المطلوب ألا يُسمح لأي شخص، أياً كان، بأن يصبح أكبر من الجامعة اللبنانية.
وأن يبقى المبدأ واضحاً:
القانون فوق الأشخاص،
والجامعة فوق الأحزاب،
والكفاءة فوق المحاصصة،
والتجديد فوق الاحتكار.
وهذا، معالي الوزيرة، هو الموقف الذي سيُحاسب عليه التاريخ
