شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

بقلم:د. عبد الرزاق القرحاني

في زمن الأزمات، تتعدد المواقف وترتفع الأصوات وتتبادل الأطراف الإتهامات، وتزدحم الشاشات والمنصات بالتحليلات والتصريحات والسجالات.
فيما تبقى الأسئلة الأساسية معلّقة, من دون إجابات..

وهنا تكمن إحدى المشكلات في المجتمعات والدول أوقات الأزمات..

فكثرة الكلام لا تعني بالضرورة كثرة الحلول، وكثرة المواقف لا تعني وجود رؤية واضحة وكلام مصقول.

هناك فرق كبير بين مجتمع يسأل، ليعرف ويحاسب ويصل إلى حلول.. وبين مجتمع يسأل ليتهم,, ويجادل لينتصر,, ويتحدث ليثبت أنه على حق.

أما في بلدنا لبنان, عندما تظهر الأزمات المتراكمة والمتجددة منذ سنوات، الجميع يبدأ بالكلام والاتهامات…

المسؤول يتحدث والمعارض يرد، والخبير يحلل، والإعلام يستضيف، ووسائل التواصل الاجتماعي تشتعل، وكل طرف يملك روايته وأسبابه وحجته.

لكن بعد كل هذا الكلام، يبقى السؤال نفسه، ماذا فعلنا لحل هذه المشكلات؟

هذه هي المفارقة التي نعيشها في لبنان، وربما في كثير من المجتمعات، نحن لا نعاني دائماً من نقص في الكلام، بل نعاني من نقص في الإجابات، ومن نقص أكبر في التنفيذ والإنجازات.

نعرف المشكلة، ونتحدث عنها، ونختلف حولها، ونتبادل المسؤوليات بشأنها، وأحياناً نعيد النقاش نفسه لسنوات.

لكن عندما يأتي وقت السؤال الحقيقي، (ما الحل.. ومن سينفذه.. ومتى يبدأ.. ومن يحاسب إذا لم ينفذ؟)
فجأة يصبح الجواب أصعب بكثير ونبدأ نبحث عن تبرير.

صحيح أننا شعب بطبيعته يحب النقاش… لكن هل نحب الوصول إلى نتائج تخرجنا من غرفة الإنعاش؟

نناقش في السياسة والإقتصاد والرياضة والإدارة والكهرباء والمصارف والانتخابات، وحتى في تفاصيل لا علاقة لها بالأزمات (وهذا ليس عيباً بحد ذاته).

العيب، عندما يتحول النقاش إلى بديل عن العمل. ونختلف حتى ننسى المشكلة الأصلية بكل ملل. ونتجادل حول من كان على حق، فننسى أن المطلوب هو إصلاح ما حصل.

نبحث عن المسؤول عن هذا الخطأ، لكن لا نسأل بالقدر نفسه، كيف نمنع تكرار هذا الخطأ؟

نهاجم القرار، لكن لا نقدم بديلاً عملياً وعلمياً بكل وقار.. وننتظر أحياناً أن يحل شخص آخر المشكلة، فيما المشكلة تحتاج إلى مؤسسات وقوانين وخطط ومتابعة ومحاسبة، بكل إصرار..

في بلدنا، كل شيء فيه تقريباً مادة للسجال… خذوا أي ملف لبناني – الكهرباء مثلاً – منذ سنوات طويلة نعرف أن هناك مشكلة في قطاع الكهرباء. نعرف أن هناك كلفة مالية كبيرة، ونعرف أن المواطن يدفع مرتين، ونعرف أن المولدات أصبحت جزءاً من حياة الناس، ونعرف.. ونعرف.. ونعرف حجم هذه المعاناة.

لكن بدلاً من أن يبقى السؤال: كيف السبيل لتأمين كهرباء مستقرة ومستدامة؟
يتحول النقاش إلى ( من المسؤول.. ومن المعرقل.. ومن المستفيد.. ومن الوزير.. ومن كان مع هذا الخيار ومن كان مع التغيير.)

كل هذه الأسئلة قد تكون مهمة ومشروعة، لكن السؤال الأساسي يبقى، متى تصبح الكهرباء خدمة طبيعية مثل أي دولة؟..
الأمر نفسه ينطبق على الإدارة، والطرقات، والنفايات، والنقل العام، والتعليم، والاستشفاء، والضمان، والإقتصاد، والمالية العامة.

نعم، نحن نعرف الكثير عن هذه الملفات، لكننا لا ننجح في تحويل هذه المعرفة إلى قرارات وإنجازات.

فالأزمة الإقتصادية والمالية التي مر بها لبنان، لم تكن مجرد أزمة أرقام. كانت امتحاناً للمسؤولين وللمؤسسات وللقوى السياسية وللمصارف وللقطاع الخاص وللخبراء وللإعلام، وللمجتمع كله.
وفوق كل ذلك، كانت اختباراً لقدرتنا على مواجهة الحقيقة.
هذه الحقيقة التي ليست دائماً مريحة.
مواجهة الحقيقة أفضل من بيع الأوهام. والمواطن اللبناني لا يحتاج دائماً إلى خطاب جميل في هذه الأيام. بل يحتاج إلى معلومة وأرقام وخطة ومسؤوليات واضحة على الدوام.

وهنا يجب أن نكون صريحين. فليس من العدل أن نضع كل المشكلة على السياسيين.
نعم، المسؤول السياسي يتحمل مسؤولية أكبر بحكم موقعه وصلاحياته.

لكن عندما نكافئ صاحب الخطاب الأعلى صوتاً، ونغض النظر عن أدائه، ونبحث عن الزعيم الذي يدافع عنا بعنجهية، بدلاً من المسؤول الذي يقدم لنا نتيجة.. فنحن نشارك، ولو بشكل غير مباشر، في إنتاج هذه الطبقة السياسية.

وعندما يصبح الإنتماء أهم من الحقيقة، تصبح المشكلة أصعب، وعندما نرفض أي نقد يأتي من الطرف الذي نعارضه، ونصدق كل ما يأتي من الطرف الذي نؤيده، نكون قد إنتقلنا من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن ما يؤكد موقفنا.

هذه مشكلة ليست سياسية فقط. بل إنها مشكلة ثقافة يتصدرها أصحاب النفوذ والقرار، وهنا المسؤولية أكبر…
لان من يملك القرار والنفوذ والقدرة على التأثير، لا يستطيع أن يتعامل مع هذه الأزمات،، إلا وكأنها مجرد مادة إعلامية.
الناس لا تريد أن تعرف فقط ماذا قال المسؤول. تريد أن تعرف: (ماذا سيفعل.. ومتى سيفعل.. وماذا أنجز فعلياً.. )

في لبنان، نحتاج إلى أن نعيد تعريف المسؤولية.
المسؤولية ليست مؤتمراً صحافياً. وليست تصريحاً منشوراً على وسائل التواصل. وليست تحميل المسؤولية للآخرين.
المسؤولية هي أن تقول للناس: هذه المشكلة، وهذه أسبابها، وهذا المقترح لحلها، وهذه كلفتها. وهذه المدة المطلوبة لتنفيذها. وأنا مسؤول عن متابعتها. وإذا لم أنجح، لكم الحق بمحاسبي في كل تفاصيلها.

لا توجد دولة في العالم لا تواجه أزمات. ولكن الدول تتعامل معها بتحديد المهمات..
فالمؤسسات تبدأ بجمع المعلومات، وتحليلها، والإستعانة بالخبراء، ودراسة البدائل، وتحديد الأولويات..
وبعد ذلك يبدأ التنفيذ، ثم التقييم. والتعديل، اذا كان هناك خيارات أفضل.
أما أن نبقى في مرحلة التصريحات والاتهامات لسنوات، فهذا لا يحل الأزمات.
الأزمات لا تُدار بالخطابات. بل تُدار بالقرارات والمتابعات.

فالمعارضة لا يكفي أن تقول، هذا القرار خطأ. عليها أن تقول أيضاً، هذا هو البديل. والحكومة لا يكفي أن تقول، الظروف صعبة، عليها أن تقول، هذه خطتنا للتعامل في هذه الظروف.

والإعلام لا يكفي أن يسأل من المسؤول، بل يجب أن يسأل أيضاً عن الحلول، ويسلط الضوء عليها في كل منشور.

والجمعيات لا يكفي أن تصدر بيانات. يمكنها أن تنتج دراسات، وتقترح حلولاً، وتراقب الأداء، وتدرب الناس، وتضغط من أجل تنفيذ الإصلاحات.

نحتاج إلى تحويل السؤال من “مين السبب؟” إلى “شو الحل؟” ربما هذه الجملة تختصر الكثير من المشكلة اللبنانية.

هناك طاقات كبيرة في لبنان لا تستعمل كما يجب. الجامعات، النقابات، الجمعيات، مراكز الأبحاث، الهيئات الاقتصادية والاجتماعية، والبلديات، والمبادرات الشبابية، كلها قادرة على أن تكون جزءاً من الحل.

بدلاً من أن يعمل كل طرف وحده، يمكن بناء مساحات مشتركة لإنتاج الأفكار. ليس المطلوب أن تكون كل جمعية سياسية، ولا أن تتحول كل جامعة إلى مؤسسة ضغط. المطلوب أن تقوم كل جهة بدورها: الجامعة تبحث، والخبير يحلل، والجمعية تقترح وتنفذ، والإعلام يسأل ويراقب، والدولة تقرر وتنفذ، والناس تتابع وتحاسب. هكذا يصبح المجتمع كله جزءاً من عملية الإصلاح.

الأزمات لقد تكون احياناً فرصة كي نرى أنفسنا بوضوح. ونرى نقاط ضعفنا وأخطاء مؤسساتنا وثغرات قوانيننا. ونرى أيضاً طاقات الناس وقدرتهم على المبادرة والصمود.

لكن الأزمة لا تصبح فرصة إلا إذا تعلمنا منها. وإذا بقينا نعيد الكلام نفسه، ونكرر الاتهامات نفسها، وننتظر الحل من الآخرين، فسوف نخرج من أزمة لندخل في أزمة أخرى.

شاركها.