شراكة الإعلام في صنع القرار
شراكة الإعلام في صنع القرار

طارق الحجيري

صبيحة يوم الجمعة 17 كانون الثاني من عام 2014، لم تكن كسابقاتها، ولم تكن بلدة عرسال الحدودية بحاجة إلى رشقةٍ صاروخية، لتكتشف أنها خارج حسابات الدولة لكن الصواريخ التي سقطت حوّلت الإحساس المزمن بالإهمال إلى مجزرة مكتملة الأوصاف، تسعة قتلى بينهم خمسة أطفال أشقاء، فيما القاتل المعلوم بقي مجهولًا، أو بالأحرى تمّ تجهيله.

خمسة أطفال من عائلة واحدة قُتلوا مع ابن الجيران، أطفال لم يُمنحوا فرصةالنجاة، ولا حق الادعاء. أحمد الحجيري أحد الجرحى الذين أصيبوا بشظايا قرب منزله القريب يقول “لم نسمع أي اشتباك، فقط عدّة انفجارات، عند خروجي لأرى ماذا يجري، سقط صاروخ قرب منزلي، أصبت بجروحٍ بليغة، ووقعت المجزرة المرعبة أمامي“.

القصف الأول على عرسال، كان الأقسى والأكثر رمزية ودلالة على باقي حلقات المسلسل الامني الطويل. فالصواريخ وبحسب تقارير القوى الأمنية عشوائية المصدر!!!!! لكنها دقيقة النتائج، أصابت منازل مدنيين في بلدة تعيش على هامش الجغرافيا والسياسة. في دقائق معدودة، تحوّل ملعب الطفولة إلى قبر جماعي. وانطلقت رحلة السنوات العجاف.

القاتل المجهول… سياسة لا لغز

منذ تلك الصبيحة وحتّى اليوم، لم يُعرف رسميًا من أطلق الصواريخ. تعددت الروايات، وتبادلت القوى الاتهامات، لكن ملف التحقيقات الرسمي أُغلق عمليًا قبل أن يُفتح. في بلد تُدار فيه الجرائم الكبرى بالتسويات، يصبح تجهيل الفاعل قرارًا سياسيًا أكثر منه عجزًا تقنيًا عن كشف الجناة. والجميع في لبنان يعرف من هو المجرم الممنوع من الكشف فيما جرائمه قابلة للاستثمار والصرف.

عبدالله الحجيري أحد المصابين الذي خضع لعمليات جراحية عدّة، يقول“العلاج كان على نفقتنا الخاصة، رغم قرار وزير الصحة حينها وائل ابو فاعوربالعلاج على نفقة الوزارة، لكن ذلك لم يحصل”. وعن التحقيق يجيب ساخرًا “تحقيق شو؟ بدنا نروق، لأنو بعد ما بلّش، تصرّفوا وكأن القصف لم يقع“.

مرّ الخبر سريعًا، ثم دخل الأرشيف. لا تحقيق جدي، لا نتائج ملموسة، ولا محاسبة. وحدها العائلات بقيت في الواجهة، واجهت الفقد بصمت، وتعيش آثار المجزرة خارج أي عدالة.

بلدة بلا مظلة

لم تكن المجزرة حدثًا معزولًا عن سياقها. في تلك المرحلة، تُركت عرسال مكشوفة على حدود مشتعلة، بلا غطاء سياسي واضح ولا حماية أمنية فعلية. بلدة حُمّلت أعباء اللجوء السوري، ووضِعت في موقع الاتهام الجماعي، مما سهّل استباحتها وشيطنتها لاحقًا ولسنوات.

والد أحد الشهداء يقول “لو حصل هذا القصف في منطقة أخرى، لكان التحقيق فوريًا. والنتيجة خلال ساعات، كل القوى الأمنية والعسكرية تعرف أن الصواريخ أُطلقت من خراج بلدة جبولة، لم توثق ذلك لأن السبب معروف، والفاعل معروف، لكن تسميته ممنوعة، نحن فقط لسنا أولوية“.

الذاكرة آخر أشكال العدالة

بعد مرور أكثر من عقد، لا تزال مجزرة 17 كانون الثاني حاضرة في ذاكرة عرسال، وغائبة عن ذاكرة الدولة. فلا اعتراف رسمي، ولا سردية أمنية وطنية تعترف بأن مدنيين قُتلوا بلا ذنب وبلا قاتل.

المجزرة لم تكن فقط في عدد القتلى، بل في ما تلاها، في الصمت، في تمييع المسؤولية، وفي تحويل دماء الأطفال إلى تفصيل هامشي.

يبقى سؤال أهل الضحايا يتردّد حتى اليوم، من قتل أطفالنا؟ ولماذا لا يزال القاتل خارج المساءلة؟

شاركها.