علي عبداللطيف اللافي
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
- اولا، السودان بلد مستهدف منذ أكثر من أربع عقود وخاصة في ثرواته وسواحله الاستراتيجية وموانئه الاستثنائية وأهمية أراضيه (باعتبار أنه أكثر البلدان قدرة على الإنتاج الزراعي)، ولكن سياسييه وحكامه ومثقفيه وعسكرييه طوال الخمس العقود الماضية لم يحسنوا توظيف والحفاظ على أهميته الاستراتيجية فسقط البلد منذ سنوات في مطبات الأزمات والتجاذب الإقليمي والاستهداف الممنهج إقليميا ودوليا وحتى عندما قامت ثورة أو انتفاضة 2019 سرعان ما تم الانحراف بها نحو مطبات التوظيف واخضاعها لمنطق التجاذب الأيديولوجي الداخلي والصراع بين المكونين المدني والعسكري فتعطلت لغة الحوار ثم تم الاخلال بالتوافق الحاصل في نوفمبر 2021 وليتم الرجوع لنفس المربعات ومن ثم تم أمميا ودوليا ومحليا البحث عن مبادرات أممية وافريقية لإيجاد حل سياسي في الأفق يُصلح عمليات السقوط في مطبات التناحر والتجاذب وخاصة في ظل تعدد تداعيات الحرب في أوكرانيا على السودان وجيرانه وأيضا بناء على مؤثرات أزمة “سد النهضة “وبقية اشكالات وملفات كل الإقليم..
- ثانيا، من المهم أنه ورغم تفاقم الأزمة وجذورها التاريخية المشخصة أعلاه وإرث صراعات وخلافات السنتين الماضيتين وحدة الخلافات خلال الأشهر الماضية وتعدد الاحتجاجات في هذا الاتجاه أو ذلك، فان المحاكم السودانية قد أطلقت خلال الأيام الماضية سراح مئات من المساجين السياسيين وخاصة من الاسلاميين بعد تبرأتهم من اتهامات باطلة وأعيد الكثير منهم إلى أعمالهم، وقد حدثت تلك التطورات بعد أن أطلق مجلس السيادة الحرية بموافقة الرئيس ونائبه للقانون والقضاء بأخذ مجرى العدالة والحرية في الأحكام بعد الغاء ما يسمى بلجنة ازالة التمكين والتي سيطرت عليها أطراف استئصالية (أساسا من اليسار الماركسي والعروبي)، ورغم رفض الشارع السوداني لانقلاب 25 أكتوبر فانه تم بعده بأسابيع الدفع نحو البحث عن الحلول وتم ايقاف والحد من كل الحلول الانتقامية (حيث بحث البعض عن الانتقام خارج سلطة القانون عبر التحكم في قرارات الفترة الانتقالية وحرصت تيارات عدة علي الاستفراد بالسلطة المدنية وبحث أن تحقيق مبتغاها عبر الاطالة في فترة المدة الانتقالية ومن ثم اعادة هيكلة الدولة والجيش بما يخدم مصالحها علي حساب السودان والقوي المشاركة معها في الثورة) وقد تنبه كثيرون في المجتمع المدني لتلك المحاولات ولوظيفية كثيرين داخل مكونات مدنية وداخل ما يسمى بتجمع المهنيين، وتم أيضا اكتشاف علاقات اصطفاف لتلك الأطراف بأطراف إقليمية ودولية…
- ثالثا، رغم كل الالتباسات سالفة الذكر في النقطتين السابقتين، فإن التوجه العام المسيطر الآن هو البحث عن توافق للسير نحو انتخابات 2023 بين مجلس السيادة والحكومة والجيش والقوي المدنية وأيضا توافق مكونات الحركة الاسلامية في السودان مع ذلك الخط واعتدال الكثير من التيارات اليسارية والبعثية وبعض الليبراليين وخاصة خلال الأسابيع الماضية والتي أعربت عن استعدادها للتصدي لتشدد ووظيفية مكونات وفاعلين سياسيين آخرين ( وهو أمر ليس غريبا بل هو نتاج ارث العقود الماضية أو نتاج بحث بعض قوى على أدوار وظيفية وتنامي عقلية الارتزاق)، وبغض النظر عن الاختلاف في قراءة ما جرى في 25 اكتوبر الماضي والذي ترتكز بعض قيادات عسكرية أنه تم إنجازه لتصحيح الاوضاع ودعم للاستقرار والحفاظ على السودان وقولهم أنهم يبحثون عن انهاء الفترة الانتقالية في موعدها بنهاية سنة 2023 عبر المرور في النهاية للانتخابات خاصة بعد حصول اتفاق تاريخي بين الرجلين المهمين في المرحلة الراهنة أي “البرهان” و”حميدتي” وتوافقهما علي توحيد المسار…
- رابعا، بحثا عن إيجاد توافقات قوية طرحت الآلية الثلاثية للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية بشرق أفريقيا “إيغاد” أخيرا عن 4 محاور أساسية لحل الأزمة السياسية في السودان، وقد جاء ذلك بداية الأسبوع الجاري وتحديدا الثلاثاء 12 افريل الحالي وهو البيان أمضاه المتحدث باسم الآلية الثلاثية السفير “محمد بلعيش” عقب لقاء مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبدالفتاح البرهان بالعاصمة الخرطوم لمناقشة الأزمة الراهنة، فقد أكد ذلك البيان أن “الآلية” تسعى لبناء توافق سياسي على أوسع نطاق ممكن دون إقصاء وعلى أساس روح التراضي ومنهجية التدرج والاستمرارية في النقاش حول قضايا أربع أساسية، وأوضح نفس البيان أيضا أن القضايا الأربع هي: “ترتيبات دستورية”، و”تحديد معايير لاختيار رئيس الحكومة والوزراء”، و”بلورة برنامج عمل يتصدى للاحتياجات العاجلة للمواطنين”، و”صياغة خطة محكمة ودقيقة زمنيا لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة”…
- خامسا، شدّد فريق العمل المشترك للآلية الثلاثية على “وجوب توفير الإجراءات الضرورية لتهيئة مناخ الحوار، بما فيها إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين ورفع حالة الطوارئ وإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات وضمان عدم حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان”، وتابع “قريبا سيطّلع الشعب السوداني على أخبار سارة تُثلج الصدر، ومن الواضح أن المبادرة الجديد استفادت من أخطاء المبادرات السابقة والتي تعددت سابقا وتضاربت وتقاطعت ولكنها جميعا سقطت في فهم طبيعة الأزمة السودانية حيث لم يتوصل أصحاب تلك المبادرات والمبعوثين الدوليين سواء كانوا أمميين أو تابعين لدبلوماسيات غربية، إلى فهم واستيعاب مفردات المشهد السوداني وتعقيداته وفرادته مقارنة ببقية ملفات البلدان العربية والأفريقية الأخرى…
- سادسا، من حيث زمن وماهية وهوية آلية التنسيق، معلوم أنه في السابع من مارس الماضي أعلنت بعثة “يونيتامس” أنها أسست آلية تنسيق مشتركة مع “الاتحاد الأفريقي” لـ”توحيد جهودهما والعمل معا على الأرض” في إطار المساعي الدولية لحل الأزمة في السودان، ومعلوم أيضا أنه بين الثامن من جانفي/يناير والعاشر من فيفري/فبراير الماضيين أجرت البعثة الأممية مشاورات أولية مع أطراف الأزمة السودانية لبحث سبل الخروج من الأزمة الراهنة، ومنذ الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 يشهد السودان احتجاجات رفضا لإجراءات استثنائية اتخذها “البرهان” (أي قائد الجيش)، أبرزها فرض حالة الطوارئ وحل مجلسيْ السيادة والوزراء الانتقاليين، ومقابل اتهامات له بتنفيذ انقلاب عسكري قال “البرهان” يومها إنه اتخذ تلك الإجراءات لـ”تصحيح مسار المرحلة الانتقالية”، متعهدا بتسليم السلطة إما عبر انتخابات أو إثر توافق وطني.
- سابعا، الخلاصة أن آفاق الحل تَبعثُ على التفاؤل مثلما هي تبعث على التشاؤم بسبب كثرة الصراعات والخلافات في كل مربع وداخل كل مكون وكل بلد من البلدان المتداخلة في الأزمة السودانية ولا يَخلو طَرف إقليمي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا إلا وله حساباته في الخرطوم وله وظيفييه من المكونات المحلية سواء كان مكونا كاملا أو جزء أو زعامة لذلك المكون وهو ما خلط وسيخلط الأوراق عند كل جلوس للحوار بل وكلما تم حل ملف فُتح آخر على مصراعيه سواء في دول الجوار السوداني أو داخل السودان نفسه، ومعلوم أن البلد يعيش منذ الحادي والعشرين من أوت/أغسطس 2019 فترة انتقالية تنتهي بإجراء انتخابات في جويلية/يوليو 2023، ويتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وقوى مدنية وحركات مسلحة وقعت مع الحكومة اتفاقا لإحلال السلام في الثالث من أكتوبر 2020، ويمكن القول أن آفاق الحلول في السودان كبيرة وترتكز أساسا على أن الشارع السوداني نفسه يبحث حاليا عن السكينة والتوافق والمصالحة وغلق قوس الماضي بكل مآسيه (أي ماضي الصراعات والتجاذبات والمناكفات)، بينما المرتكز الثاني أن المجتمع الدولي يبحث عن حل في السودان بحثا من مكوناته عن الاستثمار في سواحل وموانئ والتي هي ذات الطابع الاستراتيجي وخاصة للصينيين والروس والأمريكيين ومعلوم أن الأمريكيين بالذات يعملون منذ نهاية 2020 على تحويل كل ملفات شمال افريقيا الى ملفات مستقرة ونائمة حتى يتفرغوا الى ملفات لها الأولوية القصوى في أفق نهاية 2023 وهي ملفات الصين وايران وروسيا…
____________
