
طارق الحجيري
عند قيام جمهورية الخميني الفارسية بإسمها الحركي “الجمهورية الإسلامية” قبل ٤٥ عاما، أطلقت شعارات شعبوية كثيرة تبدأ بجرف وزوال دولة الإحتلال إسرائيل، تنتهي بدفن الشيطان الأكبر أميركا، بعدها تتفرغ لنصرة الشعوب المقهورة والمحرومة حول العالم.
سارع النظام الثوري الوليد آنذاك لطرد السفير الإسرائيلي من طهران وإقامة سفارة دولة فلسطين بدلا منها، حتى خيّل لكثيرين أن حلم تحرير فلسطين وقيام دولتها مسألة أشهر قليلة معدودة.
لكن ما حصل في الواقع غير الشعارات المرفوعة كليّا، فتم إعلان إيران دولة مذهبية شيعية وكُرِس ذلك في دستورها، ثم تشريع تصدير الثورة في دول الجوار، ما يعني عمليا استتباع المواطنين العرب الشيعية وجعلهم رعايا لدولة الفقيه في دولهم الأصلية، ثم إعلان الحرب على العراق المجاور.
بمفارقة غريبة عجيبة وإبان إستعار الحرب الإيرانية العراقية أغارت اسرائيل على مفاعل تموز النووي العراقي ودمرته تدميرا كاملا، بعدها قامت بصفقة “إيران غيت” لتأمين مستلزمات حربية وقطع غيار لإيران،، ثم لاحقا جاءت إدارة بوش الإبن شيطنت الإسلام السني ووصمته بالتطرف والإرهاب بعد هجمات ١١ أيلول، ثم أزاحت نظام صدام حسين عدو الخميني التاريخي وسلّمت العراق لإيران على طبق من ذهب.
ربيع الإخوان ومقتل سليماني
لم تكتف أميركا بتسليم العراق لإيران، عندما إجتاح ما سميّ زورا بالربيع العربي عدة دول عربية، سارعت أميركا للترحيب بحكم “الإخوان” التوأم السني لإيران الشيعية، خاصة في مصر وتونس، بينما منعت إسقاط نظام الإجرام الأسدي حليف إيران رغم كل جرائمه، بعد توسعة الخطوط الحمراء الأميركية لعدم إستهدافه.جاء الاتفاق النووي الايراني الاميركي بمثابة الهدية القيمة لايران، باشرت فورا استثمار أرصدتها المستعادة في تقوية وتجهيز اذرعها الخارجية، استمرت في ضرب النسيج الوطني للدول العربية من داخلها، فأحكمت قبضتها على اليمن والعراق وسوريا ولبنان وغزة، وباتت ميليشياتها المذهبية دولا داخل دولها بل اقوى.
عند اغتيال قاسم سليماني ظن كثيرون أن الحرب وقعت بين الطرفين، لما يمثله سليماني داخل النظام وفي الإقليم، لكن العكس هو ما حصل، فقد تم ترتيب وتنسيق الرد الإيراني على قاعدة “عين الأسد” في العراق لحفظ ماء الوجه وفق ما قاله “ترامب” وأكده “جواد ظريف” في كتابه “عمق الصبر”،، بل إن المعارضة الإيرانية ذهبت أبعد من ذلك حد إتهام الطرفين بتنسيق الإغتيال بسبب إشتداد معركة خلافة المرشد المريض بين سليماني ومجتبى خامنئي نجل المرشد.
بعد حرب غزة والضربة الصاعقة التي تلقتها اسرائيل، بلغ الدعم الاميركي لها حدا غير مسبوق، حج كل قادة اميركا السياسيين والعسكريين والإقتصاديين الى تل أبيب لدعمها ومؤازرتها، رافق الحرص الأميركي على اسرائيل حرصها الكبير على تجنب الحرب مع ايران بكل الوسائل، حتى يكاد لا يمر يوم دون تأكيد الطرفين على عدم المواجهة رغم استعراضات اذرع ايران من باب المندب حتى غزة.
الغارة الإسرائيلية على قنصلية ايران في دمشق وتدميرها على رؤوس ٧ من كبار قادة الحرس الثوري، وضع العالم مجددا أمام ساعة الصفر للحرب الشاملة في الشرق الأوسط، لكن ما حصل هو التكرار المطابق لما حصل عند قتل سليماني، تم التنسيق الاميركي الايراني يضمن رد استعراضي ايراني غير مؤذ لاسرائيل وفق الديبلوماسية التركية التي نقلت الرسائل بين الطرفين.
طيلة ٤٥ عاما ماضية رغم كل شعارات العداء والتدمير والزوال المتبادلة في الطرفين إلا أن حلف المصالح المقدس بينهما ازداد رسوخا وثباتا، عملت إيران على تفتيت البلدان المحيطة باسرائيل من داخلها، دمّرت مجتمعاتها من الداخل، فحال اليمن والعراق وسوريا ولبنان لا يخفى على عاقل، وحرب حماس على السلطة الفلسطينية ماثلة للعيان، استهداف الأردن ومصر أهداف سامية لإيران، بالمقابل تجاهلت أميركا كل حركات وتحركات الشعب الإيراني للتخلص من نظامه المجرم.
جملة أسئلة مطروحة جديا اليوم هل تذهب حكومة التطرف اليميني في اسرائيل لقلب الطاولة وكسر الستاتيكو القائم؟ هل تقوم فعليا بضرب رأس الأفعى بدل ذيلها؟ هل ستفرض على إيران تنازلات قاسية تؤدي لفقدانها اذرعها الخارجية؟ هل تقبل ايران بالعمل داخل حدودها وتناسي حلم النفوذ؟ أم تفرض اميركا رؤيتها “لا انتصار لا استقرار”؟
يبدو أن وقت الإجابات وشيك.
